السيد عبد الأعلى السبزواري

106

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وأشرنا إلى الثاني في ما سبق وسيأتي القول في الثالث إن شاء اللّه تعالى . بحث روائي : عن الرضا ( عليه السّلام ) في قوله تعالى : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ فقال : إنّ اللّه لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه ، ولكنه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضلالة فمنعهم المعاونة واللطف وخلّى بينهم وبين اختيارهم . أقول : لا بد وأن يرجع الترك - المنفي عن اللّه سبحانه وتعالى المستلزم لعدم القدرة الذي هو المحال بالنسبة إليه تعالى لفرض عموم قدرته - إلى فعله سبحانه وتعالى كما ارجعه ( عليه السّلام ) إلى ذلك وهو التخلية بينهم وبين فعلهم والإمهال لهم في أعمالهم وعدم تعجيل العقاب عليهم ، فيكون كالصبر المنسوب إليه تعالى فإنّه أيضا يرجع إلى عدم تعجيل العقاب لا الصبر الاصطلاحي عندنا . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 21 إلى 22 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) بعد أن ذكر سبحانه في ما تقدم أصناف خلقه وهم المؤمنون المهتدون الفائزون ، والكافرون الذين اختاروا الكفر فطبع بذلك على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، والمنافقون الذين هم الأخسرون اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا . فكما أن الدنيا مجمعهم بالوجود الجمعي والتدريجي في سلسلة الزمان كذلك الآخرة مجمعهم بالوجود الجمعي في الزمان والمكان . دعا سبحانه وتعالى في هذه الآيات النّاس إلى التوحيد والعبادة حتّى تستعد نفوسهم إلى التقوى . ثم عدد جلائل نعمه في السماء والأرض ليرغّبهم إلى التفكر ونبذ الأنداد فلا يستعينوا بغيره عزّ